محمد حسين علي الصغير

196

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

الفذ الخالد وهو رحمة اللّه ، في نبوة ، أو هداية ، أو إيمان ، أو حكمة ، وتلك هي القيم الراسخة : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 33 ) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ( 34 ) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ( 35 ) . فلو لا حذر الفتنة ، وخوف تزلزل الضعفاء من الناس ، وكراهة أن يجتمع الخلق ويتألفون على الكفر ، لفتح الرحمن على من يكذبه من المردة والعتاة ، جمهرة من الملاذ البراقة ، والهبات المتكاثرة ، حتى تتمثل الأبهة والفخامة في قصورهم ودورهم ، فالسقف من فضة ، والمصاعد من ذهب ، والأبواب فارهة كبيرة مزخرفة ، والأثاث ثمين متنوع ، سرر وأرائك ، ومعدات ومدخرات ، تناسب هذه الأبهة وتلك الفخامة ، رخيصة مبذولة متوافرة ، وفي هذا إيحاء بتوهين تلك المقتنيات وضآلتها ، لأنها من النعيم الفاني ، ذلك لاعتبار راسخ الأصل هو أن الآخرة عند اللّه بمن اتقاه ، وبذلك ينثر هباء كل زائل من مال وجاه وزينة وثروة ، قد يتمتع بها الفاجر ، ولا يتصدى لها المؤمن ، تزهيدا في قدرها من جهة ، وإعلاء لمقام المتقين من جهة أخرى ، لما أعد لهم اللّه تعالى من نفائس الذخائر وخلودها ، ومن هنا تجد القرآن الكريم يحقق لنا الموازين الصارمة التي لا تتعرض لشطحات النظم المعقدة ، ويؤكد القيم الثّابتة التي لا تتزلزل بالنظريات المتغيرة ، فينفي التفاوت المصطنع ، ويحارب الأثرة المتسلطة ، ويحرم التسخير اللامشروع ، ويوهن المتاع المؤقت المتداعي ، وينظر للحياة الأبدية في ظلّ التقوى ، وهو حقيقة إيجابية تدعو إلى التحفز والتيقظ والتحفظ ، لا إلى العزلة والمنع والتقوقع كما يتوهم ذلك جمهرة من البسطاء .